• ×

د. رشود الخريف: اختلال القيم والبعد عن تعاليم الإسلام أفرزا ظاهرة الفقر

الصحف الرياض
التاريخ 1427-12-11
رقم الموضوع 0
التفاصيل
د. رشود الخريف: اختلال القيم والبعد عن تعاليم الإسلام أفرزا ظاهرة الفقر

حوار - علي الشثري

أكد عميد كلية الآداب وأستاذ جغرافية السكان بجامعة الملك سعود د. رشود بن محمد الخريف أن ظاهرة الفقر في أي مجتمع ترتبط بالعديد من المشكلات الاجتماعية كانتشار الأمراض واختلال القيم وارتفاع معدلات البطالة والجريمة والبعد عن تعاليم الدين الإسلامي.
وقال في حديث ل \"الرياض\" إن الاستراتيجية التي يتبناها صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني في مكافحة الفقر كفيلة بإذن الله في القضاء على مشاكل كبيرة افرزتها قضية الفقر.
وفيما يلي نص الحوار:
في رأيك ما المقصود بالفقر؟ وهل هناك تعريف متفق عليه؟
- الفقر - كما تعرف ويعرف القراء الأعزاء - مفهوم معقد. وهو نتاج العديد من العوامل المتشابكة التي تؤثر في بعضها البعض. فالفقر ظاهرة معقدة لها أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية. وعلى الرغم من اختلاف مفهوم الفقر من دولة إلى أخرى، إلا أنه من المتفق عليه أن الفقر هو وضع معيشي مرتبط بمستوى دخل غير كاف لتلبية المتطلبات الأساسية والعيش حياة مناسبة تتيح الحفاظ على الصحة والكرامة، أي الحرمان المادي وانخفاض استهلاك الغذاء بوجه خاص. وعلى الرغم من تعدد تعاريف الفقر أو تنوعها، إلا أنها تكاد أن تجمع بأنه حلة الحرمان المادي التي تتسبب في الحرمان من السلع والخدمات الضرورية، ومن ثمَّ تدني الحالة الصحية والمستوى التعليمي، مما يؤدي في أغلب الأحيان إلى ظهور حالات المرض والبطالة والإعاقات. ويظهر الفقر في أنماط بارزة وسلوكيات واضحة في الحضر أكثر مما هو عليه الحال في المناطق الريفية، إذ يرتبط بالهجرة إلى المدن سواء من داخل الدولة أو من خارجها. ويتفاقم الفقر وتزداد درجة خطورته في الحضر نتيجة ضعف الروابط الاجتماعية والتكافل الاجتماعي في المدن مقارنة بالريف. ومن الناحية الإجرائية، فإن حالة الفقر هي مستوى معيشي أدنى من خط الفقر. ويُقصد ب \"الفقر المدقع\" تدني الأحوال المعيشية إلى درجة انتشار الجوع والمرض وارتفاع سلوكيات الوفيات بين الأطفال بدرجة كبيرة. وعلى الرغم من تعدد المقاييس والمؤشرات المستخدمة في قياس الفقر، إلا أن دخل الأسرة يأتي في المقدمة على أساس أنه يمثل القدرة على الحصول على السلع والخدمات الاستهلاكية التي تحدد مستوى المعيشة أو تؤثر فيه. ولكن هناك محاولات كثيرة لاستخلاص مقياس مركب من متغيرات اجتماعية واقتصادية.
ما هي نسبة الفقر في المملكة؟ هل هناك إحصاءات يمكن الاعتماد عليها؟
- لا استطيع الإجابة على سؤالك، وذلك لعدم توفر بيانات في هذا الموضوع. ولكن أود التأكيد على أن مشكلة الفقر لا توجد في المملكة فقط. فمشكلة الفقر ليست خاصة بدولة أو مجموعة دول معينة، بل توجد هذه المشكلة في جميع الدول سواء كانت متقدمة أو نامية، ولكن بنسبة مختلفة ودرجات متفاوتة. ولعلك تسمح لي بإضافة جدول يوضح نسب السكان الذين هم تحت خط الفقر في بعض الدول لتوضيح مدى انتشار ظاهرة الفقر في كثير من الدول.
ما أسباب الفقر في المملكة؟
- تطرقت في إجابتي للسؤال الأول عن بعض مسببات الفقر. فهناك العديد من العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الفقر. فكما هو معروف، يرتبط الفقر بالعديد من الأوضاع والمتغيرات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية سواء على المستوى الأسري أو في المناطق الجغرافية أو حتى على المستوى الوطني. فيتأثر الوضع المعيشي للأسر بالنمو السكاني والهجرة، وبخاصة الهجرة من الريف إلى المدن، بالإضافة إلى التغيرات الاقتصادية والاتجاهات المكانية للمشروعات التنموية. ومن جهة أخرى، يُنظر إلى الفقر بأنه أكثر من حالة تدني لمستوى الدخل، بل ينطوي على سلسلة من الحرمان. فالفقراء يعيشون - في الغالب - في مناطق سكنية متدنية، وأطفالهم يذهبون إلى مدارس متدنية المستوى، ومن ثمَّ يحصلون على مستوى تعليم منخفض، ويتناولون غذاء غير صحي، وقد يتعرضون للبطالة أكثر من غيرهم. ولكن لا ينحصر الفقر بمن ليس لديهم أعمال، فبعض الأفراد يعانون من الفقر نتيجة قلة دخولهم. وفي كل الأحوال، فالإحساس بالحرمان وما يترتب عليه من مشكلات يُعد صلب مشكلة الفقر. وتُشير الدراسات إلى تباين نسبة الفقر بين الأحياء السكنية والمحافظات والمناطق الجغرافية في كثير من الدول، بل تختلف بين الريف والحضر داخل الدولة نفسها.
هذا بشكل عام، أما في المملكة، فلعل من أبرز أسباب الفقر انخفاض مستوى التعليم، وإهمال الزراعة في الريف، وتزايد أعداد السكان. وانخفاض مستوى التعليم يرتبط بالبطالة. وهذا من جهة، ومن جهة أخرى، يُلاحظ أن الفقر بدأ يتفشى في المدن نتيجة تدفق أفواج المهاجرين من الريف والمدن الصغيرة إلى المدن الكبيرة كالرياض ومكة المكرمة وجدة والدمام. فالهجرة إلى هذه المدن ثم البقاء فترة طويلة بدون عمل، أو الحصول على دخل منخفض جداً يؤدي إلى الفقر، خاصة إذا كان الشخص يقوم بإعالة أسرة كبيرة. باختصار، لا شك أن تدفق الهجرة بأعداد كبيرة إلى المدن الكبرى يُعد أحد الأسباب الرئيسة لوجود الفقر في المدن كما لا أنسى أن الابتعاد عن تعاليم الإسلام بإخراج الزكاة سبب مهم في ازدياد مشكلة الفقر. وأعتقد أن ظاهرة الفقر ستزداد إذا استمر الحال على ما هو عليه ولكن هناك جهوداً حثيثة لايجاد الحلول المناسبة. فإعداد استراتيجية الفقر التي تبناها صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز كفيلة بإذن الله بمكافحة الفقر.
في رأيك، ما هي النتائج المرتبة على مشكلة الفقر؟
- ترتبط ظاهرة الفقر بالعديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مثل انتشار الأمراض، واختلال القيم، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة والجريمة. لذلك تحتل مشكلة الفقر أهمية كبيرة لدى الدول والمنظمات الدولية. وقد قام العديد من الدول النامية بإعداد الاستراتيجيات اللازمة لمكافحة الفقر والحد من انتشاره بين السكان. وكما يعرف القارئ الكريم، فموضوع الفقر أصبح أحد الأولويات الملحة في كثير من الدول العربية.
ما هي الحلول العملية - في رأيك - للحد من ظاهرة الفقر في المملكة؟
- لابد من التنويه في البداية بأن هناك جهوداً كبيرة بذلتها بعض الدول في هذا السبيل ينبغي الإفادة منها.. فلا ينبغي أن \"نعيد اختراع العجلة\" كما يقال! وفي رأيي المتواضع، هناك العديد من الاستراتيجيات المهمة التي يمكن أن تُسهم في الحد من الفقر، منها:
الحد من الهجرة إلى المدن الكبرى من خلال تنمية المدن الصغيرة والمناطق الريفية. ويتم ذلك عن طريق تحويل بعض الأنشطة الاقتصادية إلى هذه المناطق، وذلك بتشجيع الشركات والمؤسسات على الاستثمار في المدن الصغيرة والمناطق الريفية. ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا إذا أوجدت بعض الحوافز التي تشجع هذه الشركات والمؤسسات لمزاولة أنشطتها في هذه الأماكن. وفوق هذا وذاك، لابد من توفر الخدمات والبنية الأساسية الضرورية لتحقيق ذلك.
الحد من نمو المدن الكبرى على حساب المدن الصغيرة والقرى وذلك من خلال وضع بعض القيود على توسعها، والحد من منح التراخيص لإنشاء المصانع والشركات فيها.
رفع مستوى التعليم في القرى والاستمرار في إنشاء كليات المجتمع التي تقوم بإعداد العمالة التي تحقق متطلبات سوق العمل المحلي من حيث التعليم التقني المناسب والتدريب الجاد.
الحد من تركز مؤسسات التعليم العالي والجامعات في المدن الكبرى، وإنما محاولة نشرها في المدن الصغيرة لكي تنشأ لدينا \"مدن جامعية\" كما هو الحال في بعض الدول.
محاولة الاستفادة من الاختلافات الإقليمية لايجاد أقاليم تؤدي وظائف مختلفة تتكامل مع بعضها البعض لتعزيز التنمية الشاملة في المملكة. فبعض المناطق لديها إمكانات تختلف عن المناطق الأخرى.
بذل مزيد من الجهود في مجال السعودة من جهة، وزيادة مشاركة المراة في قوة العمل من جهة أخرى، لتوظيف المزيد من المواطنين ومن ثمَّ رفع مستوى معيشة الأسر. فلا يزال الطريق طويلاً في هذا المجال. أقول ذلك لأنني أشعر بالحزن الكبير عندما أرى بعض أفراد العمالة الوافدة يقف عند الإشارات المرورية لبيع الماء البارد على السائقين العطشى! هل نحن في حاجة إلى استقدام عمالة لبيع الماء عند معظم الإشارات المرورية في مدننا؟؟ هل نحن في حاجة إلى استقدام العمالة لغسيل سياراتنا في مواقف السيارات الكبيرة المجاورة للاسواق والمؤسسات العامة والخاصة؟ هذه بعض الأسئلة المهمة التي أطرحها على المجتمع!
من منطلق تخصصك في مجال السكان، هل هناك علاقة بين النمو السكاني وظاهرة الفقر؟
- لا شك أن المملكة تشهد نمواً سكانياً سريعاً مقارنة بالدول الأخرى. والزيادة في أعداد السكان تتطلب مزيداً من الإنفاق على الخدمات، وبخاصة التعليمية والصحية والزيادة السكانية ترتبط أيضاً بزيادة العرض من القوى العاملة الذين لا يستطيع الاقتصاد استيعابهم، مما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع معدلات البطالة. وعلى المستوى العالمي، ترتفع معدلات الفقر في الدول التي تكون معدلات النمو السكاني بها مرتفعة. وفي كل الأحوال، قد يكون النمو السكاني أحد الأسباب، ولكنه ليس السبب الوحيد لظاهرة الفقر في أي مجتمع. فالعوامل الاقتصادية والاجتماعية الأخرى تسهم في ظهور هذه الظاهرة.
أشرت في إجاباتك السابقة إلى ارتباط البطالة بالفقر، فما أسباب البطالة في المجتمع السعودي؟
- قبل الإجابة، اسمح لي أن أضع أمام القارئ الكريم خلفية بسيطة. أولاً: يوجد في المملكة قرابة سبعة ملايين من الوافدين. ثانياً: لا تزال لدى البعض طموحات ارتبطت بالطفرة التي شهدتها المملكة، وهي تفضيل العمل الإداري المريح، وخاصة في القطاع الحكومي. ثالثاً: الشخص الجاد الذي يتخرج بتميز ويسعى إلى إثبات نفسه في سوق العمل، لابد أن يحقق ما يريد. بل إن بعض الشركات تتسابق على توظيفه.
إذا وضعنا هذه الأمور في الاعتبار، وعلى الرغم من صعوبة الإجابة على سؤالك، يمكن القول بأن البطالة في المملكة ترتبط بحقيقة مهمة وهي تركز التنمية وما يرتبط بها من أنشطة اقتصادية في المدن الكبرى. ويضاف إلى ذلك عدم توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، الذي يُعد أحد الأسباب الرئيسة للبطالة. وأخيراً عدم رغبة بعض طالبي العمل في الحصول على فرص عمل بعيدة عن أماكن إقامة أسرهم، مما يُسهم في زيادة تركز السكان والأعمال في المدن الكبرى التي يسكن بها معظم هؤلاء في الوقت الحاضر. وكما ذكرت في إجابتي السابقة، فإن زيادة النمو السكاني يؤدي إلى زيادة العرض من القوى العاملة، مما يؤدي إلى البطالة، إذا لم يكون هناك زيادة في الطلب، أي زيادة في أعداد الفرص الوظيفية المتاحة.
أخيراً هل تعتقد بأن بيانات التعداد السكاني الذي جرى في بداية شهر شعبان سيسهم في ايجاد الحلول لظاهرة الفقر؟
- بالتأكيد! فبيانات التعداد السكاني ذات قيمة كبيرة ليس فقط لفهم هذه الظاهرة، وإنما لدراسة العديد من الموضوعات والمسائل الاجتماعية والاقتصادية والتنموية. لن أكون مبالغاً إذا قلت إن بيانات التعداد ضرورية جداً لإعداد أية استراتيجية سواء للفقر أو التنمية العمرانية أو القوى العاملة أو الإسكان أو الصحة. فبيانات التعداد ستسهم في رسم صورة واضحة عن الوضع السكاني والاجتماعي والاقتصادي في المملكة. كيف؟ يكون ذلك من خلال توفير معلومات دقيقة عن توزيع السكان حسب مستوى التعليم، والمهن، والخصائص السكنية، وأماكن الإقامة، وحجم الأسرة، معدلات نمو المدن، واتجاهات الهجرة. هذه المعلومات تُعد أساسية لفهم ظاهرة الفقر ومن ثمَّ ايجاد الحلول المناسبة والاستراتيجيات الناجعة لمكافحتها بإذن الله تعالى.


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:51 مساءً الإثنين 12 ربيع الأول 1443 / 18 أكتوبر 2021.