• ×

عبدالرحمن بن سليمان الصفَّار رجال ومواقف 1

الصحف جريدة الجزيرة
التاريخ 1428-06-16
رقم الموضوع 12694
التفاصيل
رجال ومواقف 1
عبدالرحمن بن سليمان الصفَّار





تعبق صفحات التاريخ المحلي لمدن وقرى بلادنا العزيزة بسيرٍ عطرة لأعلامها وشخصياتها، رجالاً ونساءً، ممن كان لهم إسهامات ملموسة ومواقف مشرفة في مجتمعاتهم تركت بصماتها مطبوعة في ذاكرة التاريخ، وعرف أولئك بالخير والصلاح والفضل إلى غير ذلك من المناقب الجليلة. وإن الكتابة في سيرهم تعد إحياء لذكراهم ومواقفهم النبيلة، مما يجعل سيرهم نبراساً يضيء للخلف جيلاً بعد جيل، وسأستعرض - مستعيناً بالله تعالى- في سلسلة مقالات عبر هذه الصفحة الغراء سيراً لبعض هؤلاء الأعلام والشخصيات، من خلال ما يتوافر لدي من معلومات شفهية، ومعرفة شخصية، وما عثرت عليه في المصادر المطبوعة المتاحة، ومما اطلعت عليه في وثائق مخطوطة، مفتتحاً هذه السلسلة من التراجم بسيرة الرجل الفاضل: الشيخ عبدالرحمن الصفَّار، من أهالي محافظة حوطة بني تميم.

اسمه ونسبه

هو الشيخ عبدالرحمن بن سليمان بن إبراهيم(1) بن سليمان بن إبراهيم بن عبيد بن ناصر بن عبدالعليم بن الشريف جُبَارة الصفار. وُلد عام 1315هـ ببلدة الحلوة(2)، حيث كان يسكنها أخواله من أسرة آل ابن علي، ونشأ وتربى في كنف والدين فاضلين صالحين، وأما والدته فهي شمَّاء بنت عبدالرحمن آل ابن علي آخر زوجات أبيه ورزق به على كبر إذ تجاوز والده السبعين عاماً، وتوفي والده بعد بلوغه سن العاشرة، فبدأ حياته العملية منذ نعومة أظفاره عصامياً مكافحاً، وزاول عدداً من الأعمال طلباً للقمة العيش من الكسب الحلال بعرق جبينه.

زوجاته وأولاده

وبعد أن اشتد ساعده وبلغ سن الزواج، تزوج ستاً من الزوجات الكريمات، وهن على الترتيب:

1- نورة بنت محمد بن سلطان آل موَّاش، وأنجب منها ابنه البكر سليمان الذي توفي في سن الثامنة عشرة تقريباً.

2- منيرة بنت محمد بن علي آل صفيَّان، وأنجب منها ابنه سعيد.

3- هيا بنت مبارك بن محمد آل محيميد.

4- هيا بنت عبدالله آل موَّاش، وعاش معها مدة 17 عاماً، ولم يجمع معها زوجةً أخرى رغم أنها لم يرزق منها بولد.

5- عائشة بنت مبارك آل مواش(3)، ورزق منها بابراهيم توفي صغيراً.

6- فاطمة بنت سعد بن رشيد آل مواش، وهي آخر زوجاته، والوحيدة التي توفي عنها وهي باقية على ذمته، ورزق منها ثلاثة من الأبناء، هم: سلمان وعبد العزيز وعبد الله.

تعليمه

أجاد المترجم قراءة القرآن الكريم وحفظه على كبر سنه، على يد المعلم الشيخ علي بن سالم آل خشلان(4)، وقبل التحاقه بالكتَّاب المذكور، كان قد رأى فيما يرى النائم أنه يمتطي فرساً ودخل به عبر سوق البتيري(5) متجهاً إلى بيته في حي البديعة(6)، وكلما قابله منعطف أشار إليه بيده فينفتح له الطريق ويستقيم حتى وصل إلى منزله، فسأل قاضي الحوطة آنذاك الشيخ عبدالملك بن ابراهيم عنها، فعبرها له بأنه سيتجاوز الصعاب، ويسبق ويفوق أقرانه في أمر من أمور الخير إن شاء الله، وكان قبل حصول رؤياه بقليل قد تحدث مع الشيخ صالح بن مطلق(7) بشأن إلحاق ولديه سليمان وسعيد في مدرسة آل مطلق، فلما أدخلهما بدرت إلى والدهما عبدالرحمن فكرة تعلم قراءة القرآن الكريم، فذهب إلى الشيخ علي بن سالم آل خشلان وطلب منه أن يحضر إليه في منزله ويعلمه قراءة القرآن الكريم، فاستجاب الشيخ على لطلبه، واتفقا معاً إلاَّ أنَّ الشيخ علي تأخر عليه حتى يتأكده من جدِّه وإقباله على التعليم، فصار الشيخ علي يحضر إليه في منزله والتحق معه في الدرس عبدالرحمن ابن شريدة(8)، فأتقن المترجم قراءة القرآن الكريم وأتم ختمه بعد ثمانية أشهر من التعليم، واستمر في طلب العلم فكان يحضر درساً في الفقه والعقيدة حتى آخر سني حياته عند الشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن الشثري(9).

عبادته

نحسب المترجم من بقية العباد والسلف الصالح -والله حسيبه- مشهود له بالخير، يحمل صفات الإنسان المسلم وسمات الرجل البار الصالح، باراً بوالدته حتى توفاها الله، واصلاً لرحمه، فكان يذهب ماشياً من الحوطة إلى الحلوة كل أسبوع للسلام وزيارة أخواله هنالك، كان يختم القرآن الكريم في ثلاث ليال، ويصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وإذا قدم عليه ضيف أفطر وصام يوماً مكانه، وكان ورعاً زاهداً محبوباً من الصغير والكبير، لا يؤذن المؤذن في مسجد حي البديعة(10) الذي يسكن فيه إلا وقد أخذ موضعه في الروضة، حتى إنه تأخر ذات مرة عن الصلاة بسبب ظرف قاهر، فانتظره الجماعة حتى قدم متأخراً ولحيته تقطر من أثر الوضوء.

أخلاقه ومواقف من حياته

كما كان كريم النفس سخياً جواداً، وله موقف مشهور يشهد بكرمه وحبه لفعل الخير والتصدق رجاء وجه الله والدار الآخرة، وهو موقف معروف عند أهالي الحوطة، حدثني به والدي عبدالله بن ابراهيم المضحي(11)، وأكده لي الشيخ ناصر بن محمد الصيَّاحي(12)، ومفاده أنَّ أهالي حي الوسيطا(13) اتفقوا على شراء قطعة أرض في الحي ليقيموا عليها مسجداً(14)، وكان قد اشترى قطعة أرض في طرف حي الوسيطا من عبدالعزيز بن أحمد بن صقر(15)، ليقيم عليها بيتاً ليسكنه، فوافق على إعطائهم إياها ابتغاء ما عند الله من دون ثمن على الرغم من قلة ذات يده، وفي عام 1424هـ أخبرني والدي أنه رأى في المنام أن صوتاً يخرج من قبر بالمِسِيل(18) يقرأ القرآن الكريم بصوت عبدالرحمن الصفار-رحمه الله- وما هي إلاَّ أسابيع قليلة حتى طُلب أخي ماجد بن عبدالله المضحي لصلاة التراويح والقيام بالمسجد نفسه وغص بالمصلين لحسن الصوت وتجويده.

وعرف عن المترجَم أمانته وصدقه، وحبه لمساعدة الناس، عرض عليه سعيد بن علي البديوي أحد أبناء عمومته، أن يكون وكيلاً عنه ليشرف على بناء مسجد له بحي الحميدي(19)، فقبل ورحب بذلك من دون مقابل فكان يبعث إليه بالنفقات إلى أن تم بناء المسجد وأقيمت الصلاة فيه، وكان محل ثقة الشيخ القاضي صالح بن مطلق بعد انتقاله للعيش في مدينة الرياض، فكان يقيمه وكيلاً عنه في استلام إيجارات منزله الواقع في حي البديعة، ويرسل إليه المبالغ فور استلامها، وكان محبوباً من أهالي بلده، وأمرائها، ومشايخها وقضاتها، واستمرت علاقته ومراسلاته بينه وبينهم المبنية على الود والأخوة الصادقة، حتى بعد انتقال أولئك الأمراء والقضاة من الحوطة ليتولوا عملهم في بلاد أخرى، فكانت بينه وبين أمراء الحوطة؛ الأميرين إبراهيم بن عبدالله ابن عرفج(20) والأمير عبدالله بن إبراهيم ابن معمر(21) مراسلات متبادلة، وكذلك كان يراسله الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود(22) رئيس محاكم دولة قطر، ويلتقي به عندما يأتي زائراً لبلدته الحوطة.

كما كان المترجم كثير البكاء من خشية الله، رقيق القلب، رحوماً سرعان ما تذرف عيونه من المواعظ، صبوراً على أقدار الله مؤمناً بوعده، انتقل في سني حياته الأولى لمدينة الرياض طلباً للرزق، ووصله بعد أن مكث فيها بضعة أشهر رسالة من أهله بالحوطة يخبرونه بوفاة ابنه البكر سليمان، فما كان منه إلا أن صبر واسترجع وذرفت عيناه، وطلب حينها ممن رافقه للعمل في الرياض تجهيز أمتعتهم للرجوع مع أقرب جمال للحوطة، وبعد مدة أتته رسالة وهو مقيم بالحوطة، تخبره بأنَّ صالح وعلي ابني أخيه سعيد قد قتلا في معركة بمنطقة الأحساء وكان أبوهما سعيد قد قتل قبلهما في وقعة كنزان في شعبان من سنة 1333هـ محارباً في صفوف آل سعود -سددهم الله-، فذرفت عيناه واسترجع وحمد الله على قضائه، وكان سعد ابن أخيه يعيش في الحوطة قد أوصى إليه بالولاية على أبنائه حين أحس بدنو أجله، فكفلهم بعد وفاته ورباهم إلى أن اشتدت سواعدهم.

وفاته

بعدما أخذت الرياض عاصمة هذه البلاد المباركة في النمو والاتساع، وبدأت تتزايد فيها الفرص الوظيفية، انتقل إليها أبناء المترجَم لأجل الوظائف، فانتقل معهم المترجَم، واستقر فيها، إلى أن وافته منيته بها في عام 1410هـ - رحمه الله ورحم الجميع رحمة واسعة.

تهنئة بعيد الأضحى من ابن معمر أمير حوطة بني تميم سابقاً

مؤرخة في 16-12-1394هـ

الهوامش:

(1) إبراهيم بن سليمان جد المترجَم، كان إماماً ومعلماً للقرآن الكريم بمسجد العْمَيْرِية في جهة الحلة بالحوطة، توسعت في الترجمة له في كتابي: (الحركة العلمية والأدبية بمحافظة حوطة بني تميم والمراكز التابعة لها قبل مرحلة التعليم النظامي)، في طريقه إلى الخروج، يسره الله.

(2) بلدة الحلوة في وقتنا الحاضر، مركز تابع لمحافظة حوطة بني تميم وتقع إلى الجنوب منها.

(3) كانت معلمة للقرآن الكريم ببيتها الواقع في محلة غَمْرَان بأسفل الباطن (بُريك)، توسعت في الترجمة لها في كتابي المذكور بالهامش رقم 1.

(4) كان معلماً للقرآن الكريم بمنزله في حي الزِّبارة بالحلة، توسعت في الترجمة له في كتابي المذكور بالهامش رقم 1.

(5) سوق البتيري: طريق ضيق متعرج تقع على جنباته بيوت حي البتيري، ينفذ إلى الجهة الشمالية الشرقية لسوق الحوطة، البديعة: حي يقع في الجهة الشمالية الشرقية بالحلة. توسعت في الحديث عنه في كتابي: (معجم الحلة)، في طريقه إلى الخروج، يسره الله.

(6) البديعة: حي يقع في الجهة الشمالية الشرقية بالحلة، توسعت في الحديث عنه في كتابي المذكور أعلاه

(7) (8) (9) توسعت في الترجمة لهم في كتابي المذكور بالهامش رقم 1.

(10) توسعت في الحديث عن هذا الحي ومسجده في كتابي: (معجم الحلة).

(11) توسعت في الترجمة له في كتابي المذكور أعلاه.

(12) توسعت في الترجمة له، في كتابي المذكور بالهامش رقم 1.

(13) (14) توسعت في الحديث حول هذا المسجد في كتابي: (معجم الحلة).

(15) توسعت في الترجمة له، في كتابي المذكور بالهامش رقم 1.

(16) (17) (18) (19) (20) (21) توسعت في الحديث عن هذه المواضع والشخصيات في كتابيَّ: (معجم الحلة) وفي كتابي المذكور بالهامش رقم 1.

المصادر:

* جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد، حمد الجاسر، ط 3، 1421هـ، منشورات دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض، ج1 ص 442.

* نبذة مختصرة عن حياة الوالد عبدالرحمن -رحمه الله، بقلم: سلمان بن عبدالرحمن الصفار، غير منشورة.

* والدي عبدالله بن إبراهيم بن حمد المضحي (ت 29-9-1427هـ) - رحمه الله.

* شيخي ناصر بن محمد بن عبدالرحمن الصياحي -أطال الله بقاءه.

* سلمان بن عبدالرحمن بن سليمان الصفار (ابن المترجَم).

للمراسلة: الرياض، رمز بريدي: 11345 - ص. ب : 380694


Al_mudhy@yahoo.com


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:44 صباحًا الخميس 5 ربيع الأول 1442 / 22 أكتوبر 2020.