• ×

• محمد بن عبدالعزيز الصويغ • ســقـاك الغـيث هـتـّانـا وإلاّفحسبك من دموعنا ما سقاكا‎

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
المرارة الحقيقية حين تتسارع الصور والأحداث والذكريات في رأسك بمرارة بعد خبر يتجسد في صدمة ، حينها لن تسعفك الدموع ولا الكلمات ولا المشاعر التي تهيئّك لتصديق مابعد الخبر ، وعبثاً تحاول التأويل أو التكذيب أو التماس بارقة تخبرك بأنه لبسٌ في الأسماء.

image

كل ذلك يزول سريعاً لتجد نفسك في دائرة الإذعان وعلى الخط الفاصل بين النور والعتمة لتخرّ قواك وتستكين تلك المشاعر المتزاحمة فلا ترى إلا صوراً ناطقة بابتسامة تارة أو نظرات عيون أو همهمة حديث سابق لم يكن يطلق عليه ( سابق ) إلا بعد مرارة الخبر، فتتصدر ( كانَ) بعد كل العبارات لتكون كانَ كذا وكانَ كذا، لتجد نفسك تسحب الكلمات من القاع إلى النور ولا تعلم حينها أكنتَ تثني على من رحل أو تعزي نفسك أو تلفظ ذكرياتك.

في اليوم الأول من العزاء تظن نفسك تبكي على المتوفى ثم تكتشف بعد ساعات أنك تبكي حالك بعد الرحيل ولا تبكي من رحل.

هذا الحال بمن كان جلّ رصيدهم بضع ذكريات فكيف الحال بمن كان الراحل جزءاً من سلوته وفرحه وحياته فرحماك اللهم بهم حين انطفأت تلك الشمعة التي يستنيرون بنورها ولم يفكروا حينها بما كانت تقاسيه من الاشتعال لتضئ حياتهم.

الموت رحمة وسلام للراحلين ولوعة ووجدٌ على من يبكيهم ، ورحيلك يا محمد فاجعة استحالت إلى غصة في الحلق تحشرجت معها الكلمات والعبارات ، وتكسرت فيها الأقلام التي عجزت عن رثاء ذاك النبل المجبول على حب الخير والابتسامة التي لا تفارق محياك ، رحيلٌ لا يخفف منه إلا ” إنا لله وإنا إليه راجعون” ، رحيلٌ يجعلك تبكي راحلاً وتبكي حال أمٍ وأسرة كنتَ زينتها وكأن الشاعر تمثّل مشاعر تلك الأم ليقول :

فليـتك لـو بـقيـت لـضـعـف حـالي=وكان الناس كلهمُ فداكا
يــعــز عـلـيّ حـيـن أديــر عــيـنـي=أفتّش فى مكانك لا أراكا
ولــــم أر َفـــــي ســــواك ولا أراهُ=شمائلك المليحة أو حلاكا
ختـمتُ عـلى ودادك فـي ضـميري=وليس يزال مختوما هناكا
لـــقـــد عجــلـت إلـيـك يد الـمـنـايـا=ما استوفيتَ حظك من صباكا
فوا أسفي لجسمك كـيـف يـبـلـى=ويذهب بعد بهجته سناكا
ومـــــا لـي أدّعـــي أنــّـى وفـــىٌّ=ولست مشاركا لك في بلاكا
أرى البـاكـيـن فـيـك مـعـي كـثـيـرا=وليس كمن بكى من قد تباكى
فــيـا مـن قـد نــوى سـفـرا بـعـيـدا=متى قل لى رجوعك من نواكا
جــــزاك الله عـنّـي كـــل خــــيـــــر=وأعلم أنّه عنّي جزاكا
فيـا قــبــر الـحــبـيــب وددت أنـّــي=حملت ولو على عيني ثراكا
ســقـاك الغـيـــــــــــث هـتـّانـا وإلاّ=فحسبك من دموعي ما سقاكا

ولا زال الســـــــلام عــلـيـك مـنـّي=يرفّ مع النسيم على ذراكا

رحم الله الإنسان النبيل المتسربل نوراً وضاء الوجه مشرق الجبين محمد بن عبدالعزيز الصويغ وأسكنه فسيح جناته، ولقلب أمه صبراً وتذكيراً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات ولد العبد، قال الله عز وجل لملائكته: “أقبضتم ولد عبدي؟” فيقولون: نعم؛ فيقول وهو أعلم: “أقبضتم ثمرة فؤاده؟” فيقولون: نعم.فيقول:”ماذا قال عبدي؟” فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله عز وجل: “ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت الحمد”).
ربّ قد آتيتُه من البشاشة والسماحة، وعلمتُه حب الخير فاطر السماوات والأرض أنت وليّه في الدنيا والآخرة ارحمه واغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، واجمعنا به وبوالديه وإخوانه وذريته وبمن أحبه فيك في جنات النعيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

كتبهُ :

د. إبراهيم بن زيد الفحيلة

١٣ رمضان ١٤٣٦هـ

بواسطة : المشرف العام
 0  0  17.6K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:04 مساءً الإثنين 10 ربيع الثاني 1440 / 17 ديسمبر 2018.