• ×

المبادرة بأداء الحج وفضله

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
المبادرة بأداء الحج وفضله
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين.
قال الله جل وعلا: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ﴾ [سورة البقرة: 125].قال العلماء رحمهم الله: في هذه الآية إعلامٌ من الله تعالى بشرف البيت الحرام وما خصّه به شرعاً وقدراً، من كونه مثابةً للناس: أي جعله محلاً تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وَطَراً ولو ترددت إليه كل عام، فالأفئدة تهوي إليه وتشتاق، ووصفه الله بأنه قد جعله: أمناً، من دخله أَمِنَ.
ومن ذلك أيضاً قوله سبحانه: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ [المائدة: 97] والمعنى: أن الله يدفع عنهم بسبب تعظيمها السوء، فعن عياش بن أبي ربيعة قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة - يعني الكعبة - حق تعظيمها، فإذا تركوها وضيعوها هلكوا". قال الحافظ ابن حجر: رواه أحمد في المسند و ابن ماجة وعمر بن شبة بإسناد حسن.
ولا ريب أن الحج ركنٌ جليلٌ من أركان الإسلام العظام ومبانيه الجسام، وقد أوجبه الله تعالى على من استطاع من عباده، كما قال سبحانه: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97].
قال الامام القرطبي رحمه الله عند تفسير هذه الآية:
فذكر الله تعالى الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب؛ تأكيداً لحقه، وتعظيماً لحرمته، ولا خلاف في فريضته، وهو أحد قواعد الإسلام، وليس يجب إلا مرة في العمر. انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ هذه آية وجوب الحج عند الجمهور، .
وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع.
فقد روى الإمام أحمد رحمه الله بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحُجُّوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم" ثم قال: "روني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدَعُوه" ورواه مسلم بنحوه. انتهى.
فينبغي على كل مسلم ومسلمة المبادرة بالحج متى استطاع ذلك، وألا يؤخره أو يؤجله.
ولهذا نبَّه أهل العلم إلى أن الحج واجبٌ على الفور، في أصح قولي العلماء، فإن هذا هو مقتضى الأمر، إضافةً إلى ما جاء من النصوص الآمرة بالمبادرة، والتي منها ما رواه الإمام أحمد في المسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تعجلوا إلى الحج - يعنى الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له".
وجاء من وجه آخر في "المسند" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من أراد أن يحج فليتعجل، فإنه قد تضل الضالة، ويمرض المريض، وتكون الحاجة"، وهما حديثان حسنان بمجموع طرقهما.
ولأجل ذلك أيضاً حذَّر السلف من تأخير الحج لغير عذر، ومن ذلك ما ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بإسناد صحيح أنه قال: من أطاق الحجَّ فلم يحج، فسواءٌ عليه يهودياً مات أو نصرانياً.
وهذا يبين أهمية هذه المسألة ووجوب المبادرة بالحج والحذر من التأجيل والتسويف بلا عذر، وخاصةً في مثل زماننا حيث أمنت السبل وتيسرت الوسائل ولله الحمد والمنة.
وفي ضوء ما تقدم تتبين بعض فضائل وثمرات تعجيل الحج والمبادرة اليه، ومن ذلك:
1- أن في المبادرة امتثالٌ لأمر الشارع الحكيم، واستجابة لعموم ما جاء من النصوص التي فيها الحث على المبادرة إلى الخير والاستباق إليه، كقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [سورة البقرة: 148]. وقوله سبحانه: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِي ﴾ [آل عمران: 133] وقوله جلَّ وعلا: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: 21] وغيرها من النصوص مما جاء في هذا المعنى، وهذا أعظمُ في الثواب وأجزلُ في العطاء من ربِّ الأرض والسماء جلَّ وعلا.
وينبغي مجاهدة النفس على فعل الأعمال الصالحات والمسابقة إليها، لأن النفس بجبلتها تركن إلى الراحة والدعة، وإذا لم توطن على الخير وفعله والمبادرة إليه فقد تند وتشرد عن الخير إلى ما تهواه، وقد يكون محرماً.
2- أن في المبادرة بالحج خروجاً من عهدة التأخير، وما يترتب عليه من الإثم والوزر، فإذا بادر المسلم وحج، كان أبعد عن الوعيد الوارد في حق من أجَّل وهو مستطيع.
وفي الناس اليوم كثيرٌ ممن أخروا الحج عاماً بعد آخر وهم مستطيعون حيث الصحة والمال والأمن وأنواع النعم، ولم يزالوا مسوفين مؤجلين، حتى حيل بينهم وبين حج بيت ربهم إما بمنية مفاجئة، أو بعارض من عوارض الدنيا من الأمراض والإعاقات البدنية والمالية، نسأل الله العافية والسلامة للجميع.
3- أن في المبادرة بالحج استكثارَ للحسنات والتخلص من الأوزار والتبعات، وذلك لما جاء من النصوص المبينة لمضاعفة ثواب من حج وتكفير سيئاته، ولهذا إذا رجع بعد الحج كان أحرى من غيره ممن لم يحج في الترقي في درجات العبودية والتقرب من الله تعالى وزيادة الإيمان، بما ينعكس عليه في أمور حياته الأخرى خيراً وبِرَّاً وتقوى.
ومما يدل على هذا ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".
وثبت في جامع الترمذي وسنن النسائي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِير خَبَثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة".
إلى غير ذلك من النصوص الدالة على هذا المعنى.
4- أن في المبادرة بالحج قطعاً للعوارض التي قد يتعرض لها العبد في حياته، فكم من إنسانٍ كان يستطيع الحج، ولكنه أخَّره عاماً بعد آخر، حتى أصابته جائحةٌ من جوائح الدنيا منعته الوصول لبلد الله الحرام، فصار يعض أصابع الندم على ما أجَّل وأخَّر،.
إلى غير ذلك من الثمرات والبركات التي ينالها العبد في الدنيا والآخرة.
ويحسن في هذا المقام التنبيه على تصورٍ راج وانتشر بين عددٍ من المسلمين! مفاده: أن الشاب لا يصلح له الحج، لأنه سيقترف بعده من السيئات ما يبطله، ولهذا لا يحجون إلا بعد أن يبلغوا من الكبر عتياً، حيث يحج الواحد منهم وهو كبيرٌ في سِنِّه ضعيفٌ في قواه، ويقولون: إنهم بذلك يجعلون آخر العمر مختوماً بالحج!!.
ولكن هذا التصور وذلك المسلك غير صحيح، لمخالفته ما جاء من النصوص الشرعية الآمرة بالمبادرة بالأعمال الصالحة، ومنها الحج لبيت الله الحرام، ثم إن هذا التصور فيه خطأ فادح، من جهة الإفراط في طول الأمل، بما يجعل العبد يتمادى في العصيان، فكأنه يقول: افعل ما شئت من السيئات، ثم تُب بعد ذلك، ولكن من الذي يضمن له الإمهال وطول العمر، والتمكن من الحج في آخر الحياة؟!.
وأيضاً فإن الذنوب وتتابعها تعمي القلب وتصرف النفس عن الخير، حتى يصير الشر سِمةً لها، ويختم على القلب ويُحال بينه وبين صاحبه، فلا يستطيع التوبة ولا فعل الخير، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 24].
كما أن هذا التصور يُفوت على الإنسان خيرات كثيرة كان سينالها من بركات الحج وفضائله، وهذا كله بسبب المخالفة لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وشرعه.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد و آله وصحبه.
محبكم​
محمد بن عبد الرحمن الحمود

 0  0  823
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:22 صباحًا الإثنين 5 جمادي الأول 1439 / 22 يناير 2018.